ابن أبي العز الحنفي

319

شرح العقيدة الطحاوية

واللّه لا يغفر اللّه لك ، أو لا يدخلك [ اللّه ] الجنة فقبض أرواحهما ، فاجتمعا عند رب العالمين ، فقال لهذا المجتهد : أكنت بي عالما ؟ أو كنت على ما في يديّ قادرا ؟ وقال للمذنب : اذهب فادخل الجنة برحمتي ، وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار . قال أبو هريرة : والذي نفسي بيده ، لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته » « 364 » . وهو حديث حسن . ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له ، [ ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص ] ، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة اللّه ، كما غفر للذي قال : « إذا متّ فاسحقوني ثم اذروني ، ثم غفر اللّه له لخشيته » « 365 » وكان يظن أن اللّه لا يقدر على جمعه وإعادته ، أو شكّ في ذلك . لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا ، لمنع بدعته ، وأن نستتيبه ، فإن تاب وإلا قتلناه . ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل : إنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع ، ولا يكون ذلك إلا [ إذا ] صار منافقا زنديقا . فلا يتصور أن يكفّر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا . وكتاب اللّه يبين ذلك ، فإن اللّه صنّف الخلق فيه ثلاثة أصناف : صنف : كفار من المشركين ومن أهل الكتاب ، وهم الذين لا يقرون بالشهادتين . وصنف : المؤمنون باطنا وظاهرا . وصنف أقرّوا به ظاهرا لا باطنا . وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة . وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين . فإنه لا يكون إلا زنديقا ، والزنديق هو المنافق . وهنا يظهر غلط الطرفين ، فإنه من كفّر كلّ من قال القول المبتدع في الباطن ، يلزمه أن يكفّر أقواما ليسوا في الباطن منافقين ، بل هم في الباطن يحبون اللّه ورسوله ويؤمنون باللّه ورسوله وإن كانوا مذنبين ، كما ثبت في « صحيح » البخاري ، عن أسلم مولى عمر [ رضي اللّه عنه ] ، عن عمر : أن رجلا كان على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان اسمه : عبد اللّه ، وكان يلقب : حمارا ، وكان يضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وكان

--> ( 364 ) حسن كما قال المؤلف رحمه اللّه تعالى ، وفيه عكرمة بن عمار ، احتج به مسلم ، وفيه ضعف . ( 365 ) صحيح أخرجه البخاري وغيره .